غجري كحد السيف ....
غارات من الجو وقذائف من البحر والعدو على بعد امتار
تتداخل الحواجز ويتعانق الرصاص
وهو كالفراشة بل اكثر نشاطا.. كالنحلة بل اكثر اجتهادا
يتنقل من خندق الى خندق ومن ساتر الى ساتر
يحمل اوراقه وحروفه
يوزع جريدته في الصفوف الامامية
يوزع الابتسامات والنكات اللطيفة
ينقل الاخبار من الامام الى الخلف
ومن الخلف الى الامام
يخفي كثيرا من التفاصيل
ويحفظ كثيرا من التفاصيل
كانت بيروت محاصرة من جميع الجهات
والقذائف تتساقط بغزارة وتتعطل الكهرباء كثيرا
الا انه اصر على كتابة جريدته بخط يده
بضعة صفحات اخبار واشعار
كلماته كانت الزيت لشحذ همم الصفوف
الامامية والخلفية ....
كان يكتب وكانوا يطلقون الرصاص
كان يردد" لن يمروا" وكانوا يصوبون بنادقهم
ويرددون لن يمروا
عندما يشتد القصف تصلهم الجريدة ويصل اليهم علي
كان يكتب الجريدة بخط يده
ويوزعها من خندق الى خندق
ومن مقاتل الى اخر
يكتب باليد ويوزع باليد
الجريدة اسمها على الرصيف
و علي فودة من مخيم نور شمس
بعد ان دمر الاحتلال قريته "قنير"
كالنحلة كان يطوف
جاءته القذيفة
ونقل الى المشفى
وشاع الخبر
استشهد علي وهو يطوف على المقاتلين
استشهد على وهو يوزع على الرصيف
ونعته الصحافة ونعاه الكتاب والشعراء
ونعاه الشرفاء
نعته بيروت المحاصرة
وكالنحلة على سرير الموت
نهض علي من جديد
والحصار شديد
والقذائف تتساقط
والخبر في انتشار
كالنار في الهشيم
استيقظ علي من موته
وعلي في سريره
يقرا نعيه
ويقرا رأي الاصدقاء والاعداء فيه
من صالحهم ومن اختلف معهم
الرصيفيون وغير الرصيفيون
وابتسم انهم يحبونني
وانا احبهم
ونظر الى الجنود المجهولين من حوله
الاطباء والممرضات
ورددوا معه " لن يمروا""
وفاضت روحه الى السماء
تردد لن يمروا
وكلماته ما زال يرددها الملايين
إني اخترتك يا وطني
حبّاً وطواعية
إني اخترتك يا وطني
سراً وعلانية
إني اخترتك يا وطني
فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرائع يا وطني
وقد وظف الياس خوري قصة موت ( علي فودة ) في روايته باب الشمس لما في هذا الموت من اختلاف ودلالة على الأحوال الفلسطينية الفريدة حتى في استشهادها وغيابها. وتجيء القصة على لسان شخصية روائبة راقبت هذا المشهد ( مشهد علي فودة وجريح آخر ) في المستشفى:
" أذكر أنه جاء جريحاً إلى المستشفى ، جلبوه مع جريح آخر، وكان الدم يغطيهما، الجريح الأول كان شبه ميت ، ودمه متجمد على جسده اليابس. لا أعلم من كشف عليه وأعلن وفاته . فتمّ نقله إلى براد المستشفى تمهيداً لدفنه . ثم اكتشفوا أنه حيّ، فنقل على عجل إلى غرفة العناية الفائقة، وهناك اكتشفنا أنه كان شاعراً. الصحف التي صدرت في بيروت أثناء الحصار ، نشرت عنه المراثي الطويلة. وعندما استيقظ الشاعر من موته،وقرأ المراثي شعر بسعادة لا توصف . كان وضعه الصحي ميؤوساً منه، فقد أصيب في عموده الفقري و تمزقت رئته اليسرى، لكنه عاش يومين، كانا كافيين كي يقرأ كل ما كتب عنه، قال إنه سعيد، ولم يعد يهمه الموت، فلقد عرف اليوم معنى الحياة، من خلال الحب المصنوع من الكلمات. كان علي - وهذا هو اسمه - الميت السعيد الوحيد الذي رأيت في حياتي كأن كل آلامه امّحت. عاش في سريره، وسط أكوام المراثي، يومين جميلين، وحين مات، كان كل شيء قد سبق أن كتب عنه، فنُشر نعيه الثاني في أسطر قليلة في الصحف، ولم ينتبه أحد لموعد تشييع جنازته، فشيعناه من المستشفى إلى مقبرة المخيم، ولم يكن عددنا يتجاوز أصابع اليد الواحدة "
من نصف الكاس المليان
من فلسطين